فصل: ومن باب المساقاة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حَدَّثنا أبو أسامة، قال: حَدَّثنا محمد بن حمزة قال أخبرنا سالم بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله، قالوا ومن صاحب الأرز يا رسول الله فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل فقال كل واحد منهم اذكروا أحسن عملكم إلى أن قال: وقال الثالث منهم اللهم تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق أرز فلما أمسيت عرضت عليه حقه فأبى أن يأخذه وذهب فثَمَّرتُه له حتى جمعت له بقرًا ورعاءها فلقيني فقال أعطني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعاءها فخذها فذهب فاستاقها».
قال الشيخ قد احتج به أحمد بن حنبل لقوله الذي حكيناه عنه في الباب الأول، ويشبه على مذهبه أن يكون هذا الرجل إنما كان استأجره على فرق أرز معلوم بعينه حتى يكون التجارة وقعت بمال الأجير، فأما إذا كانت الأجرة في الذمة غير معينة فإنما وقعت التجارة في مال المستأجر لأنها من ضمانه فالربح له لأنه المالك والعامل المتصرف فيه، إلاّ أنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان لأن هذا قول ثناء ومدح استحضه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه من جهة الحكم فحمد عليه، وإنما هو الترغيب في الإحسان والندب إليه وليس من باب ما يجب ويلزم في شيء.

.ومن باب الشركة على غير رأس مال:

قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا يحيى، قال: حَدَّثنا سفيان، عَن أبي إسحاق، عَن أبي عبيدة قال اشتركت أنا وعمار وسعد فيما يصيب يوم بدر قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء.
قال الشيخ شركة الأبدان صحيحة في مذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وهذا الحديث حجة لهم، وقد احتج به أحمد بن حنبل وأثبت شركة الأبدان وهو أن يكونا خياطين وقصارين فيعملان أو يعمل كل واحد منهما منفردا أو يكون أحدهما خياطًا والآخر خزَّازًا أو حدادًا سواء اتفقت الصناعات أو اختلفت فكل ما أصاب أحدهما من أجرة عن عمله كان صاحبه شريكه فيها، أو يشتركان على أن ما يكتسبه كل واحد منهما كان بينهما إن لم يكن العمل معلومًا، إلاّ أن بعضهم قال لا يدخل فيها الاصطياد والاحتشاش.
وحكي عن أحمد أنه قال يدخل فيها الصيد والحشيش ونحوهما وقاسوها على المضاربة قالوا إذا كان العمل فيها أحد رأسي المال جاز أن يكون في الشقين مثل ذلك وأبطلها الشافعي وأبو ثور.
فأما شركة المفاوضة فهي عند الشافعي رضي اله عنه فاسدة ووافق في ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وجوزها الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الأوزاعي وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو يوسف لا يكون شركة مفاوضة حتى يكون رأس أموالهما سواء.

.ومن باب المزارعة:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فذكرته لطاوس فقال قال ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال: «لأن يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ خراجًا معلومًا».
قال الشيخ خبر رافع بن خديج من هذا الطريق خبر مجمل يفسره الأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وعن غيره من طرق أخر، وقد عقل ابن عباس معنى الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة شطر ما تخرجه الأرض، وإنما أريد بذلك أن يتمانحوا أرضهم وأن يرفق بعضهم بعضا، وقد ذكر رافع بن خديج في رواية أخرى عنه النوع الذي حرم منها والعلة التي من أجلها نهى عنها، وذكره أبو داود في هذا الباب.
قال: حَدَّثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا عيسى، قال: حَدَّثنا الأوزاعي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال لا بأس بها إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا أو يسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كرًا إلاّ هذا فلذلك زجر عنه، فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس به.
فقد أعلمك رافع في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا فيها شروطا فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول فيكون خاصا لرب المال والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا تجوز أن تكون مجهولة، وقد يسلم ما على السواقي ويهلك سائر الزرع فيبقى المزارع لا شيء له وهذا غرر وخطر. وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة فسدت المضاربة، وهذا وذلك سواء وأصل المضاربة في السنة المزارعة المساقاة فكيف يجوز أن يصح الفرع ويبطل الأصل.
والماذيانات: الأنهار وهي من كلام العجم صارت دخيلا في كلامهم.
قال الشيخ وقد ذكر زيد بن ثابت العلة والسبب الذي خرج عليه الكلام في ذلك وبين الصفة التي وقع عليها النهي ورواه أبو داود في هذا الباب.
قال: حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن علية (ح) وحدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا بشر المعنى عن عبد الرحمن بن إسحاق، عَن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن الوليد بن أبي الوليد عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع» فسمع قوله: «لا تكروا المزارع».
وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرة يقول حدثني عمومتي عنه.
وجوز أحمد المزارعة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى اليهود أرض خيبر مزارعة ونخلها مساقاة وأجازها ابن أبي ليلى ويعقوب ومحمد وهو قول ابن المسيب وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز وأبطلها أبو حنيفة ومالك والشافعي.
قال الشيخ فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد: وقد أنعم بيان هذا الباب محمد بن إسحاق بن خزيمة وجوزه وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل الأحاديث التي وردت فيها فالمزارعة على النصف والثلث والربع وعلى ما تراضى به الشريكان جائزة إذا كانت الحصص معلومة والشروط الفاسدة معدومة وهي عمل المسلمين من بلدان الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها.
ثم ذكر أبو داود على أثر هذه الأحاديث بابًا في تشديد النهي عن المزارعة وذكر فيه طرقا لحديث رافع بن خديج بألفاظ مختلفة كرهنا ذكرها لئلا يطول الكتاب وسبيلها كلها أن يرد المجمل منها إلى المفسر من الأحاديث التي مر ذكرها وقد بينا عللها.
وفي هذا الباب ألفاظ يحتاج إلى تفسير وشرح منها، قوله: «أفقر أخاك أو أكره بالدراهم» ومعنى «أفقر أخاك» أي أعِرْهُ إياها، وأصل الإفقار في إعارة الظهر، يقال أفقرت الرجل بعيري إذا أعرته ظهره للركوب. ومنها الحقل وهو الزرع الأخضر والحقل أيضًا القراح الذي يُعَد للمزارعة وفي بعض الأمثال لا تنبت البقلة إلاّ الحقلة، ومنه أخذت المحاقلة ومنها المخابرة وهي المزارعة على النصف والثلث ونحوهما والخبير والنصيب والخبير الأكار.

.ومن باب إذا زرع الأرض بغير إذن صاحبها:

قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك، عَن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته».
قال الشيخ هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه، عَن أبي إسحاق غير شريك ولا عن عطاء غير أبى إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا وضعفه البخاري أيضًا، وقال تفرد بذلك شريك، عَن أبي إسحاق وشريك يَهِمُ كثيرًا أو أحيانًا.
ويشبه أن يكون معناه لو صح وثبت على العقوبة والحرمان للغاصب والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر لأنه تولد من غير ماله وتكوَّن معه وعلى الزارع كراء الأرض، غير أن أحمد بن حنبل كان يقول إذا كان الزرع قائمًا فهو لصاحب الأرض فأما إذا حصد فإنما يكون له الأجرة.
وحكى ابن المنذر، عَن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن حديث رافع فقال عن رافع ألوان ولكن أبا إسحاق زاد فيه زرع بغير إذنه وليس غيره ينكر هذا الحرف.

.ومن باب في المخابرة:

قال أبو داود: حدثنا مسدد أن حمادًا وعبد الوارث حدثاهم عن أيوب، عَن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وعن الثنيا ورخص في العرايا».
قال الشيخ المحاقلة قد مر تفسيرها فيما مضى وأنها بيع الزرع بالحب والمخابرة هي المزارعة والخبير الأكار. والمزابنة بيع الرطب بالتمر، وأما المعاومة فهي بيع السنين ومعناه أن يبيعه سنة أو سنتين أو أكثر إما ثمرة نخلة بعينها أو نخلات وهو بيع فاسد لأنه بيع ما لم يوجد ولم يخلق ولا يدرى هل يثمر أو لًا يثمر. وبيع الثنيا المنهي عنه أن يبيعه ثمر حائطه ويستثني منه جزءًا غير معلوم فيبطل لأن المبيع حينئذ يكون مجهولا فإذا كان ما يستثنيه شيئا معلومًا كالثلث والربع ونحوه كان جائزا فكذلك إذا باعه صبرة طعام جزافًا واستثني منه قفيزًا أو قفيزين كان جائزا لأنه استثنى معلومًا من معلوم؛ وقد تقدم ذكر تفسير العرايا.

.ومن باب المساقاة:

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع».
قال الشيخ في هذا إثبات المزارعة على ضعف خبر رافع بن خديج في النهي عن المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض، وإنما صار إليه ابن عمر تورعًا واحتياطًا وهو راوي خبر أهل خيبر، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها أيام حياته ثم أبا بكر ثم عمر إلى أن أجلاهم عنها.
وفيه إثبات المساقاة وهي التي تسميها أهل العراق المعاملة وهي أن يدفع صاحب النخل نخله إلى الرجل ليعمل بما فيه صلاحها أو صلاح ثمرها ويكون له الشطر من ثمرها وللعامل الشطر فيكون من أحد الشقين رقاب الشجر، ومن الشق الآخر العمل كالمزارعة يكون فيها من قبل رب المال الدراهم والدنانير ومن العامل التصرف فيها وهذه لها في القياس سواء.
والعمل بالمساقاة ثابت في قول أكثر الفقهاء ولا أعلم أحدًا منهم أبطلها إلاّ أبا حنيفة. وخالفه صاحباه فقالا بقول جماعة أهل العلم.
واختلفوا فيما يصح فيه المساقاة من الشجر والثمر فكان الشافعي يقول إنما تصح المساقاة في النخل والكرم لأنهما يخرصان وثمرهما بادٍ بارز يدركه البصر وعلق القول فيما يتفرق ثمره في الشجر ويغيب عن البصر تحت الورق كالتين والزيتون والتفاح ونحوها من الفواكه.
وكان مالك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجيزونها في كل شجر له أصل قائم. وقال مالك لا بأس بالمساقاة في القثاء والبطيخ وشرط فيها شروطا لا يكاد يتبين صحة معناه فيها، وقال أبو ثور تجوز المساقاة في النخل والكرم والرطاب والباذنجان وما يكون له ثمرة قائمة إذا كان دفعه إليه أرضا ومنها النخل والرطاب.
واحتج في ذلك بخبر أرض خيبر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم وفى أرضهم النخل والزرع ونحوه.

.ومن باب كسب المعلم:

قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا وكيع وحميد بن عبد الرحمن الرُّواسي عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسى عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت قال: «علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال فأرمي عليها في سبيل الله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال فأرمي عنها في سبيل الله فقال إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها».
قال الشيخ اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهرًا «زوجتكها على ما معك من القرآن»، وقد ذكره أبو داود في موضعه من هذا الكتاب، وتأولوا حديث عبادة على أنه أمر كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي صلى الله عليه وسلم إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة الرجل أو استخرج له متاعًا قد عرف تبرعًا وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضًا ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزًا.
وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ الرجل المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب.
وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه. وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه.